حين يصبح أطفال غزة مرشحين لنوبل… ماذا بقي من ضمير العالم؟
الاتحاد الفلسطيني لأمريكا اللاتينية (UPAL) - 13 أغسطس/آب 2026
هناك أخبار لا ينبغي أن تمرّ كخبر عابر، لأنها تكشف أكثر مما تقوله الكلمات نفسها. ومن بين هذه الأخبار المبادرة التي أطلقها أستاذ الفلسفة الإيطالي أوجينيو ماتساريلا، والتي تدعو إلى منح جائزة نوبل للسلام لأطفال قطاع غزة، في مبادرة حظيت بتوقيعات آلاف المواطنين ورجال الدين والبلديات والنقابات والأكاديميين في إيطاليا.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مبادرة إنسانية نبيلة. لكنه في الحقيقة يضع العالم أمام سؤال أكثر قسوة: ماذا يعني أن يصبح أطفال غزة بحاجة إلى جائزة نوبل كي يعترف العالم بإنسانيتهم وبالمأساة التي يعيشونها؟
الأطفال لا يحتاجون إلى جوائز.
لا يحتاج الطفل الذي فقد أسرته أو بيته أو مدرسته إلى ميدالية.
ولا يحتاج الطفل الذي يعيش تحت القصف والحصار والجوع إلى شهادة من مؤسسة دولية تثبت أنه يستحق الحياة.
ما يحتاجه هو أن يتوقف القتل.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب ألا تضيع وسط العاطفة. فحين تصل مأساة أطفال غزة إلى الجامعات والصحف والكنائس والنقابات والبلديات الإيطالية، فهذا يعني أن صورة المأساة أصبحت عصية على الإخفاء. لكن الاعتراف الأخلاقي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن المسؤولية السياسية والقانونية.
إن أطفال غزة لا يموتون بسبب كارثة طبيعية. ولا لأن التاريخ قرر فجأة أن يكون قاسياً عليهم. إنهم يعيشون في ظل حرب وحصار ودمار وقرارات سياسية وعسكرية يتحمل أصحابها مسؤولية ما يحدث. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستحق أطفال غزة جائزة نوبل للسلام؟ بل: متى يتحرك العالم لوقف ما يُرتكب بحقهم؟
إن تحويل الضحايا إلى رمز للسلام قد يكون مؤثراً، لكنه يحمل خطراً آخر إذا انتهى الأمر عند حدود الرمز. فالعالم لا يحتاج إلى المزيد من الصور الحزينة، ولا إلى المزيد من البيانات التي تعبر عن القلق، ولا إلى المزيد من العبارات التي تقول “كفى” بينما يستمر الواقع نفسه.
غزة لا تحتاج إلى تعاطف إضافي بقدر ما تحتاج إلى فعل.
تحتاج إلى حماية المدنيين، وإلى وقف القتل والتدمير، وإلى رفع الحصار، وإلى ضمان دخول الغذاء والدواء والمساعدات، وإلى محاسبة من ارتكب الجرائم، وإلى إنهاء منظومة الإفلات من العقاب التي جعلت حياة الفلسطيني أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية.
والأهم من ذلك كله، أن أطفال غزة لا ينبغي أن يكونوا الاستثناء الذي يوقظ ضمير العالم، بينما يبقى أصل المشكلة بعيداً عن النقاش: احتلال شعب فلسطيني وحرمانه من حقوقه الوطنية والسياسية والإنسانية، واستمرار التعامل مع الاحتلال وكأنه حقيقة طبيعية لا جريمة سياسية وقانونية ينبغي إنهاؤها.
من إيطاليا، تأتي هذه المبادرة لتقول شيئاً بالغ الأهمية: إن الرواية الرسمية لم تعد قادرة على احتكار صورة غزة، وإن قطاعات متزايدة من المجتمع الأوروبي بدأت ترى في أطفال القطاع ضحايا يستحقون الحماية، لا أرقاماً في نشرات الأخبار.
وهذا تطور يستحق التقدير.
لكننا في اتحاد فلسطين في أمريكا اللاتينية نقول بوضوح: لا نريد لأطفال غزة أن يصبحوا أبطالاً في حفل توزيع الجوائز. نريدهم أن يصبحوا أحياء في بيوتهم، في مدارسهم، في ملاعبهم، وبين عائلاتهم.
لا نريد أن يحصل الطفل الفلسطيني على جائزة لأنه نجا من القصف؛ نريد ألا يُقصف أصلاً.
لا نريد أن تُكرّم طفلة لأنها فقدت والديها؛ نريد أن يبقى والداها معها.
لا نريد أن يتذكر العالم أطفال غزة بعد موتهم؛ نريد عالماً يحميهم وهم على قيد الحياة.
ومن هنا، فإن المبادرة الإيطالية يجب ألا تكون نهاية الطريق، بل بداية سؤال أكبر: إذا كان آلاف الإيطاليين قادرين على القول “كفى”، فلماذا لا تستطيع الحكومات الأوروبية أن تقولها أيضاً؟
لماذا تستطيع الجامعات أن تتحدث، والنقابات أن تحتج، والبلديات أن توقع، ورجال الدين أن يرفعوا أصواتهم، بينما تواصل بعض الحكومات تقديم الغطاء السياسي أو العسكري أو الدبلوماسي لإسرائيل؟
ولماذا يتحول قتل الأطفال إلى مأساة إنسانية حين يتعلق الأمر بغزة، بينما تتراجع المسؤولية القانونية والسياسية إلى الصفوف الخلفية؟
إن العالم أمام اختبار حقيقي، وليس أمام اختبار عاطفي.
فالسلام لا يُمنح كجائزة.
السلام حق.
والحرية ليست ميدالية.
الحرية حق.
وحماية الأطفال ليست مبادرة تضامنية.
إنها واجب قانوني وأخلاقي على المجتمع الدولي.
لهذا، فإننا في UPAL نرحب بكل صوت إيطالي وأوروبي وأمريكي لاتيني يرفض قتل أطفال غزة، ونعتبر هذه الأصوات جزءاً من حركة ضمير عالمي تتسع رغم كل محاولات إسكاتها.
لكننا نذهب أبعد من ذلك:
كفى قتل الأطفال.
كفى حصاراً.
كفى تجويعاً.
كفى تدميراً.
كفى إفلاتاً من العقاب.
وكفى ازدواجية في معايير حقوق الإنسان.
إذا كان العالم يرى في أطفال غزة ما يستحق جائزة نوبل للسلام، فعليه أن يرى قبل كل شيء ما يستحقه هؤلاء الأطفال من حياة وحرية وأمان وكرامة.
فأفضل جائزة يمكن أن يحصل عليها طفل غزة ليست ميدالية تُعلّق على صدره.
إنها أن يستيقظ غداً… ولا يسمع صوت القصف.

