الاتحاد الفلسطيني لأمريكا اللاتينية 17 - (UPAL) أغسطس/آب 2026
قد يبدو الحديث عن بناء جبهة وطنية فلسطينية موحدة، في خضم حرب الإبادة التي يعيشها شعبنا، وكأنه طرح مؤجل إلى زمن آخر. لكن الحقيقة هي العكس تمامًا. ففي اللحظات التي تتعرض فيها الشعوب لأخطر التحديات، تصبح الوحدة الوطنية أكثر إلحاحًا، ويصبح غياب الإطار الجامع خطرًا لا يقل عن خطورة الهجمات التي يتعرض لها الشعب نفسه.
فلسطين اليوم تواجه حربًا مفتوحة على وجودها: إبادة جماعية في غزة، وتطهيرًا عرقيًا واستيطانًا متسارعًا في الضفة الغربية، وتهجيرًا وتدميرًا للبنية الاجتماعية والجغرافية الفلسطينية، بالتوازي مع مشاريع سياسية تسعى إلى تصفية القضية وإعادة صياغة مستقبلها من خارج إرادة شعبها.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبرز سؤال لا يجوز تأجيله أكثر: أين هو الإطار الوطني الجامع القادر على تحويل إرادة الشعب الفلسطيني إلى قوة سياسية وشعبية منظمة؟
لقد امتلك الفلسطينيون في مراحل سابقة مثل هذا الإطار. فقد شكلت منظمة التحرير الفلسطينية، في مراحل صعودها، مظلة وطنية جمعت قوى واتجاهات سياسية وفكرية متعددة، ومثلت، رغم التناقضات والخلافات، عنوانًا جامعًا للنضال الوطني الفلسطيني.
لكن هذا الدور تراجع بصورة عميقة منذ توقيع اتفاق أوسلو، وما تبعه من تغييرات أصابت بنية الحركة الوطنية ومؤسساتها وعلاقاتها الداخلية.
ولهذا فإن الدعوة إلى إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاح مؤسساتها واستعادة طابعها الوطني الديمقراطي تظل ضرورة لا نقاش فيها. لكن إصلاح المنظمة وحده لا يمكن أن يكون ذريعة لتأجيل بناء إطار وطني شعبي واسع. فالسؤال الحقيقي هو: لماذا لا يسير المساران معًا؟
لماذا لا نعمل في الوقت نفسه على إعادة بناء المنظمة على أساس الشراكة الوطنية، وعلى إنشاء جبهة وطنية فلسطينية موحدة تكون إطارًا نضاليًا جامعًا، يعزز صمود الشعب، وينظم طاقاته، ويواجه الاحتلال ومشاريع التصفية؟
الجبهة الوطنية التي ندعو إليها ليست بديلًا عن منظمة التحرير، ولا مشروعًا لإلغاء أي فصيل أو تيار سياسي. إنها إطار أوسع من التنظيمات، وأعلى من الانقسامات الفصائلية، يقوم على برنامج وطني مشترك تتوافق عليه القوى السياسية والمجتمعية والنقابات والاتحادات والفعاليات الشعبية والشخصيات الوطنية.
فلسطين لا تحتاج إلى تنظيم جديد يضاف إلى قائمة التنظيمات، بل إلى إطار يجمع الموجودين أصلًا حول الحد الأدنى الذي لا يجوز الاختلاف عليه: إنهاء الاحتلال، مقاومة الاستيطان، رفض التهجير والتطهير العرقي، حماية وحدة الأرض والشعب، الدفاع عن حق العودة وتقرير المصير، واستعادة القرار الوطني من أي وصاية أو احتكار.
إن تجربة الشعب الفلسطيني نفسه تؤكد أن هذا الأمر ممكن.
ففي سبعينيات القرن الماضي، ثم بصورة أكثر وضوحًا خلال الانتفاضة الأولى، ظهرت أطر وطنية موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة استطاعت تنظيم الجماهير وتنسيق الإضرابات والتحركات وإصدار البيانات وتحديد المواقف. لم يكن الشعب ينتظر تصريحات متناقضة من مراكز متعددة، بل كان هناك صوت وطني يعرف من خلاله ماذا يفعل وكيف يتحرك.
لقد كان ذلك نموذجًا للوحدة السياسية في الميدان، وليس مجرد وحدة في البيانات.
أما اليوم، فإن غياب مثل هذا الإطار يترك الساحة أمام الاستقطاب الفصائلي والانقسام السياسي، ويتيح للمصالح الضيقة والممارسات العشائرية أن تتقدم أحيانًا على حساب المصلحة الوطنية الجامعة.
وهنا لا بد من مواجهة جذور الأزمة.
كان اتفاق أوسلو نقطة تحول أساسية في تراجع المشروع الوطني الفلسطيني. فقد حصلت إسرائيل على اعتراف سياسي، بينما لم يحصل الشعب الفلسطيني على اعتراف مماثل بحقوقه الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير.
وبدل أن يؤدي الاتفاق إلى إنهاء الاحتلال، شهدنا توسعًا استيطانيًا هائلًا، وتقطيعًا للأرض الفلسطينية، وتعميقًا للتبعية، واستمرارًا للسيطرة العسكرية، وصولًا إلى واقع الإبادة والتطهير العرقي الذي نشهده اليوم في غزة والضفة الغربية.
كما استفادت إسرائيل من أوسلو في التنصل من مسؤولياتها كقوة احتلال، بينما تحولت السلطة الفلسطينية تدريجيًا إلى إدارة لواقع الاحتلال بدل أن تكون أداة لإنهائه.
ولم تكن المشكلة في الاتفاق وحده، بل في النتائج التي ترتبت عليه داخل النظام السياسي الفلسطيني: تراجع المؤسسات الديمقراطية، تعطيل الانتخابات، إضعاف الأطر التمثيلية لمنظمة التحرير، وتكريس مركزية القرار السياسي بعيدًا عن المشاركة الوطنية الواسعة.
كما أن تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1998 شكل محطة مؤلمة في هذا المسار، حين جرى إسقاط بنود أساسية منه تحت ضغط سياسي خارجي، في خطوة عمقت أزمة المنظمة وأضعفت أحد أهم الأطر التي كانت تعبر عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
لكن النقد الوطني يجب أن يكون شاملًا.
فليس من الإنصاف تحميل قيادة السلطة والمنظمة وحدها مسؤولية استمرار هذا الواقع. فقد شاركت قوى فلسطينية مختلفة، بدرجات متفاوتة، في مؤسسات أوسلو، ودخلت الانتخابات والمؤسسات التي أنشأها الاتفاق، رغم إعلانها في مراحل مختلفة معارضته.
وكان يمكن لهذا المسار أن يكون مدخلًا للتغيير لو ارتبط بموقف وطني واضح يضع إنهاء أوسلو ومخرجاته والتنسيق الأمني شرطًا لإعادة بناء الوحدة السياسية.
لكن ما حدث هو استمرار الانقسام، بينما ظلت الوحدة الوطنية تُطرح في كثير من الأحيان كشعار عام دون برنامج سياسي مشترك ودون آليات تنفيذ ملزمة.
وهذا ما يفسر تعثر العديد من الاتفاقات والمبادرات، من القاهرة إلى بكين وغيرها.
لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء الوحدة.
ومن هنا تكتسب فكرة الجبهة الوطنية المتحدة أهميتها.
التجربة الجزائرية، على وجه الخصوص، تقدم درسًا بالغ الأهمية. فقد استطاعت جبهة التحرير الوطني، في مواجهة الاستعمار الفرنسي، أن تجمع تيارات وقوى وشرائح اجتماعية مختلفة حول هدف مركزي واضح: تحرير الجزائر واستعادة استقلالها.
لم تكن الوحدة الجزائرية تعني أن الجزائريين أصبحوا متطابقين في أفكارهم أو توجهاتهم. بل على العكس، كان التنوع موجودًا، لكن الجبهة نجحت في تحويل هذا التنوع من مصدر تشتت إلى مصدر قوة، عبر برنامج وطني جامع، وحشد شعبي واسع، ونشاط سياسي ودبلوماسي جعل القضية الجزائرية حاضرة في العالم.
وهذا هو الدرس الذي تحتاج فلسطين إلى استعادته اليوم:
لسنا بحاجة إلى أن نصبح تنظيمًا واحدًا، وإنما إلى أن نمتلك إطارًا وطنيًا واحدًا يجمع تعددنا حول حقوقنا الأساسية.
وهذا المبدأ عرفته أيضًا تجارب تحرر أخرى في العالم، حيث كانت الجبهات الوطنية وسيلة لتعبئة المجتمع وتوحيد قواه، لا لإلغاء تعدديته.
فلماذا لا يكون الفلسطينيون قادرين على القيام بذلك؟
القول إن وجود منظمة التحرير يمنع قيام جبهة وطنية هو خلط بين الإطار التمثيلي والإطار النضالي. فالمنظمة يجب أن تكون البيت الوطني الجامع، والجبهة يمكن أن تكون رافدًا شعبيًا وكفاحيًا لها، بل قوة ضغط تساعد على إصلاحها واستعادة مؤسساتها الديمقراطية.
أما التمثيل الدولي، فلا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجميد الحياة السياسية الفلسطينية. فالشرعية الدولية لا تستمد قوتها من احتكار القرار، وإنما من شرعية القضية ومن إرادة الشعب الذي تمثله.
وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن القضية الفلسطينية استعادت حضورًا دوليًا واسعًا، وأن جرائم الاحتلال لم تعد قابلة للإخفاء خلف البيانات السياسية. وهناك اليوم مسارات قانونية ودولية مهمة، لكن هذه المسارات تحتاج إلى قوة وطنية منظمة تسندها وتدافع عنها وتمنع تحويلها إلى أوراق تفاوضية.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه فلسطين اليوم هو أن تُطرح مشاريع تصفية القضية تحت عناوين تبدو فلسطينية أو «وطنية»، وأن يُطلب من شعبنا اعتبار دويلة مجزأة ومنزوعة السيادة انتصارًا تاريخيًا، بينما يبقى الاحتلال مسيطرًا على الأرض والحدود والموارد.
إن شعبنا واجه في الماضي مشاريع كثيرة من هذا النوع، من روابط القرى إلى مخططات التهجير والتوطين، واستطاع إفشالها عندما امتلك الإرادة والتنظيم والوعي الوطني.
واليوم، مع اتساع حرب الإبادة وتنامي الاستيطان وامتداد الاعتداءات إلى مخيمات ومدن الضفة الغربية، لم يعد مقبولًا أن تبقى القوى الوطنية متفرقة، وأن يبقى صوت الشعب موزعًا بين مراكز متعددة.
إن بناء الجبهة الوطنية المتحدة يمكن أن يبدأ من القاعدة، من لجان شعبية وأطر مهنية ونقابية وطلابية ومجتمعية، ومن المخيمات والقرى والمدن، ومن الجاليات الفلسطينية في الخارج، وصولًا إلى إطار وطني واسع لا يحتكره فصيل ولا تسيطر عليه سلطة.
هذه ليست دعوة إلى إلغاء الخلاف السياسي، بل إلى تنظيمه داخل إطار وطني يحمي القضية من أن تتحول الخلافات إلى أداة لتفكيك المجتمع.
ففي مواجهة مشروع يريد تقسيم الأرض، يجب أن نوحد الصف.
وفي مواجهة مشروع يريد تفريغ القضية من مضمونها، يجب أن نوحد البرنامج.
وفي مواجهة مشروع يريد فرض قيادة أو حل على الشعب الفلسطيني من الخارج، يجب أن نستعيد المبادرة من الداخل.
إن الوحدة الوطنية ليست شعارًا نرفعه عندما تشتد الأزمات، ثم نعود إلى الانقسام عندما تهدأ. إنها شرط من شروط البقاء والانتصار.
ولهذا فإن تأسيس الجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة لم يعد فكرة مؤجلة، ولا ترفًا سياسيًا، ولا مشروعًا يمكن تركه إلى المستقبل.
إنها ضرورة وطنية عاجلة.
ويمكن أن تبدأ من القاعدة، بمبادرات شعبية صادقة، وبحوار لا يستثني أحدًا، وببرنامج حد أدنى تتوافق عليه القوى والمكونات الوطنية، وبإرادة تتجاوز الحسابات الفصائلية والشخصية.
فالشعب الذي يواجه الإبادة والتطهير العرقي والاستيطان لا يستطيع أن يخوض معركته بأصوات متفرقة.
وحدة الشعب تحتاج إلى إطار، والإطار يحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى مبادرة.
والسؤال الذي تطرحه المرحلة اليوم على الجميع بسيط وواضح: إذا كانت الوحدة الوطنية ضرورة، فما الذي يمنعنا من أن نبدأ ببنائها الآن؟

