القنابل والشعر والفردوس: لماذا لا يستطيع ترامب محو إيران
إن تهديد دونالد ترامب بقصف إيران ليعيدها «إلى العصر الحجري» يكشف عن مدى جهل ساكن البيت الأبيض
تربيورن فيروفيك
آسيا تايمز
8 أبريل 2026
ترجمه تلاكسكالا
تربيورن فيروفيك (مواليد 1948) مؤرخ وكاتب نرويجي، ألّف 12 كتاباً عن آسيا، تُرجم العديد منها إلى لغات أجنبية. حصل ثلاث مرات على أعلى جائزة أدبية في النرويج، جائزة براغ، ويدير موقع [kinaforum.com] الإلكتروني الذي ينشر التعليقات والتحليلات حول الشؤون الآسيوية.
اتفق أطراف النزاع بشأن إيران على وقف إطلاق النار. وبذلك يخسر دونالد ترامب، مؤقتاً، فرصة قصف إيران وإعادتها إلى «العصر الحجري». كما يتأجل، ضمن هذا السياق، تدمير ضريح الشاعر الوطني أبو القاسم الفردوسي، الذي لا يُضاهى، صاحب «الشاهنامه» التي كُتبت قبل نحو ألف عام وتضم قرابة 50 ألف بيت شعري.
في شمال شرق إيران، قرب مدينة مشهد، تقع بقايا مدينة «طوس» التي كانت يوماً مركزاً ثقافياً مهماً على طريق الحرير. وقد تحولت اليوم إلى أطلال وأسوار ترابية وحقول صامتة. وهناك، على أطراف المدينة القديمة، يرقد الفردوسي.
الضريح المقام فوق قبره ليس متواضعاً؛ فقد شُيّد بشكله الحالي في القرن العشرين خلال عهد رضا شاه، ضمن جهود لإبراز التراث الإيراني ما قبل الإسلامي. ويستمد تصميمه من العمارة الفارسية القديمة، بحجر فاتح اللون وأعمدة ونقوش تمنحه طابعاً كلاسيكياً.
وُلد الفردوسي في طوس نحو عام 940 م، في فترة كان فيها الإسلام يتوسع، وكانت العربية تكاد تحل محل الفارسية. يُرجّح أنه تعلّم العربية كما كان شأن المتعلمين آنذاك، لكن الفارسية بقيت لغته الأم. وفي مسقط رأسه ظلت ذاكرة فارس القديمة حيّة، فحوّلها إلى إرث أدبي خالد.
ظهر الإسلام مع النبي محمد في أوائل القرن السابع، وانتشرت لاحقاً اللغة العربية والدين الإسلامي في المنطقة. وأصبحت بلدان كثيرة، بدرجات متفاوتة، متأثرة بالعربية. غير أن فارس بقيت إلى حد كبير محافظة على هويتها، بفضل شعراء كالفردوسي الذين كرّسوا حياتهم للغة والثقافة الفارسية.
بحلول القرن العاشر، أصبحت العربية لغة الإدارة و الجوامع و المدارس، بينما ظلت الفارسية حية بين الناس لكنها تراجعت في الكتابة والثقافة الرفيعة.
في هذا السياق، جاء عمل الفردوسي. وبعد عقود من الجهد، أنجز «الشاهنامه» (كتاب الملوك)، معتمداً على مصادر قديمة وشعر ونثر مفقودين، إضافة إلى روايات شفوية تناقلتها الأجيال.
يمكن تقسيم هذا العمل إلى ثلاثة أقسام:- قسم أسطوري يتناول بدايات الملوك والصراع بين النظام والفوضى،- وقسم بطولي يبرز شخصيات عظيمة،- وقسم تاريخي يتناول أحداثاً وحكاماً معروفة.
ويمتلئ النص بشخصيات متعددة: بشر وحيوانات وطيور و افاعي، جميعها ضمن سرد متكامل عن صعود وسقوط السلالات.
ما أنجزه الفردوسي يمكن اعتباره شكلاً هادئاً من المقاومة. لذلك قيل إنه «أنقذ» الفارسية، وهو وصف مبالغ فيه، إذ لم تكن اللغة مهددة بالاندثار، لكنه منحها صوتاً أدبياً قوياً مكّنها من الاستمرار.
تُروى عنه حكايات تشير إلى أنه عاش حياة متواضعة، بل فقيرة أحياناً. وكان، مثل غيره من الشعراء، يأمل في دعم الحكام، خاصة محمود الغزنوي، لكن خابت آماله. وتذكر الروايات أنه تلقى مكافأة أقل بكثير مما وُعد به.
وتحكي قصة أخرى أن هدية أكبر أُرسلت لاحقاً، لكنها وصلت متأخرة، في اللحظة التي كان فيها جثمانه يُشيّع خارج المدينة. ورغم أن هذه الرواية على الأرجح غير دقيقة، فإنها تعكس صورة شاعر ضحى بكل شيء من أجل رسالته.
في إيران اليوم، يُحتفى بالفردوسي كبطل قومي، ويُعدّ عمله حجر أساس في الثقافة الإيرانية. ومع ذلك، فإن قلة فقط يقرؤون «الشاهنامه» كاملة بلغتها الأصلية، لصعوبتها حتى على المتعلمين.
لذلك تُقرأ غالباً في نسخ مبسطة أو حديثة، ومع ذلك ما تزال أبياتها حاضرة في الخطاب اليومي والإعلام.
كان الفردوسي مسلماً على الأرجح، لكن كتابه يتناول إلى حد كبير مرحلة ما قبل الإسلام، حين كانت لفارس ديانات أخرى. ولهذا يحتوي على عناصر قد تُعد إشكالية، لأنه يعكس إيران أقدم وأوسع من الإطار الديني الإسلامي.
لذلك عملت السلطات على التخفيف من بعض جوانب النص التي قد تتعارض مع أصول الدين الاسلامي، غير أن الفردوسي ظل أكبر من أن يُهمّش أو يُعاد تشكيله بالكامل.
وينطبق الأمر نفسه على شعراء لاحقين مثل جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، اللذين ينتميان إلى التقليد الأدبي الفارسي ذاته، رغم اختلاف أساليبهم.
اليوم، نحو 60% من سكان إيران (93 مليون نسمة) يتحدثون الفارسية لغةً أم، بينما يستخدمها الآخرون كلغة ثانية بدرجات متفاوتة. وتشكل الأذرية نحو 15%، والكردية بين 5 و10%. أما العربية فلا يتحدثها إلا عدد محدود، لكنها حاضرة في المجال الديني.
قبل انتشار الإسلام، كانت الآرامية اللغة الأوسع في الشرق الأوسط، بينما سادت الفارسية في فارس. قبل الف عام، كانت الآرامية لغة تواصل إدارية بين شعوب المنطقة. هي لغة الآراميين و هم شعب سامي كان يعيش في المنطقة التي تلتقي فيها سوريا مع جنوب شرق تركيا و شمال بلاد ما بين النهرين ( العراق) وهي على الارجح، اللغة التي تحدث بها يسوع المسيح.
عندما هدد ترامب بقصف إيران ليعيده “ إلى العصر الحجري” و أضاف «حيث ينتمون»، يبدو أن هذا الأخير يتجاهل أن في عام 559 قبل الميلاد كان كورش الكبير اول ملك يعتلي عرش بلاد فارس، أي قبل أكثر من 2335 عامًا من تأسيس الولايات المتحدة سنة 1776.
كما أن كلمة «فردوس» ذات أصل فارسي، وتشير إلى «مساحة مسوّرة»، لكنها كانت تدل على حدائق ملوك فارس الغنّاء. في أرض كان يمكن أن تكون جافة وقاحلة، كانت المياه تُوجَّه عبر أنظمة ري متطورة لإنشاء مساحات خضراء، مزروعة بالأشجار المثمرة التي تُلقي بظلالها، وتزدان بالزهور بألوانها البهيّة، حتى كادت أن تكون جنة على وجه الأرض.
هذا التقليد لا يزال حاضراً في إيران الحديثة. ففي عام 2011، أُدرجت تسع حدائق فارسية ضمن قائمة التراث العالمي لـ اليونسكو. وتعتمد هذه الحدائق تصميماً متناظراً، مقسماً إلى أربعة أقسام تتقاطع فيها قنوات المياه، في رمز إلى أنهار الجنة.
الحديقة الفارسية مسوّرة أيضاً، لتكون ملاذاً هادئاً بعيداً عن الغبار والضجيج.
وإذا كان دونالد ترامب يبحث عن هدف، فإن إيران لا تفتقر إلى الحدائق التي يمكن قصفها. لكنها، في النهاية، ستنهض من جديد.
أما ترامب، فسيصبح قريبًا جزءاً من الماضي.


