نتابع بقلق بالغ التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق في مدينة القدس المحتلة، والذي يستهدف بشكل مباشر المسجد الأقصى المبارك، والمقدسيين، والهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتكريس الاحتلال بالقوة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والمواثيق الإنسانية.
إن القدس تعيش اليوم واحدة من أخطر مراحلها؛ إذ تتسارع وتيرة اقتحامات المسجد الأقصى المبارك من قبل المستوطنين المتطرفين بحماية قوات الاحتلال، وتتزايد محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني بالتزامن مع الاعتداء على المصلين، وإبعاد المرابطين والمرابطات، وإصدار قرارات الإبعاد بحق الشخصيات والرموز الدينية والوطنية، واستهداف حراس المسجد الأقصى، والتضييق على حرية العبادة، في مسعى واضح لتغيير الواقع التاريخي والقانوني القائم في المسجد المبارك.
وفي موازاة ذلك، تتواصل سياسات الاحتلال الرامية إلى تفريغ القدس من أهلها عبر هدم المنازل والمنشآت، والتهجير القسري، وسحب الهويات، والتوسع الاستيطاني، وتصعيد الحفريات في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية واستهداف الرموز الوطنية والدينية، في محاولة لطمس الهوية الحضارية والثقافية للمدينة المقدسة.
وتواصل منظمات المعبد المتطرفة مدعومة من حكومة المجرم نتنياهو وبإشراف مباشر من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير العمل على فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى وتثبيت قيود مشددة على دخول المسلمين إليه ونزع صلاحيات الأوقاف الإسلامية واستباحته بشتى أنواع الطقوس اليهودية والاعتداءات، وهذا كله سيؤدي في حال استمراره إلى نسف ما تبقى من الوضع القائم التاريخي في المسجد الأقصى والقدس.
كما تستهدف سياسات الاحتلال الوجود المسيحي الأصيل في القدس، من خلال التضييق على المؤسسات والشخصيات الدينية المسيحية، ومحاولات تغيير الطابع التاريخي والحضاري المتعدد للمدينة المقدسة، التي كانت على مر التاريخ نموذجاً للتنوع الديني والثقافي والتعايش الإنساني.
إن هذا التصعيد الخطير، الذي يجري في ظل انشغال العالم بأزمات متعددة، يتطلب موقفاً جماعياً مسؤولاً يرتقي إلى حجم المخاطر المحدقة بالقدس. فالبيانات وحدها لم تعد كافية، والإدانات المجردة لم تعد تردع الاحتلال عن مواصلة انتهاكاته، لذلك فإن الدفاع عن القدس يتطلب الانتقال من مرحلة ردود الفعل إلى مرحلة العمل المنظم والمستدام.
إن خطورة ما يجري في القدس لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات اليومية، بل في محاولات تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى أمر واقع دائم، بما يهدد الطابع التاريخي والقانوني للمدينة ويقوض فرص الاستقرار في المنطقة، الأمر الذي يستوجب تحركاً عاجلاً قبل أن تتحول هذه السياسات إلى وقائع يصعب عكسها مستقبلاً، وانطلاقاً من ذلك فإننا ندعو جميع المؤسسات والاتحادات والهيئات الإسلامية والعربية والحقوقية والإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية، والعمل بشكل عاجل ومنسق على بناء منظومة متكاملة تجمع بين العمل السياسي والقانوني والإعلامي والإنساني والتنموي من خلال:
• إطلاق تحرك دولي عاجل ومستمر على المستويات السياسية والقانونية والحقوقية، يهدف إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق القدس والمسجد الأقصى والمقدسيين، ومساءلة الجهات المسؤولة عنها، وعدم السماح بتحويل الاحتلال وإجراءاته غير القانونية إلى واقع مقبول أو معترف به.
• تفعيل الأدوات القانونية أمام المحاكم والهيئات الدولية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه وانتهاكاته المستمرة، بما في ذلك الانتهاكات المرتبطة بالاستيطان، والتهجير القسري، وتغيير الطابع الديمغرافي للمدينة، والعمل على توفير الحماية القانونية للمقدسيين والمؤسسات المستهدفة.
• ممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية على الحكومات والمؤسسات الدولية لإلزام الاحتلال باحترام القانون الدولي ووقف اعتداءاته، بما في ذلك تفعيل أدوات الضغط الاقتصادية والقانونية على الجهات والشركات المتورطة في دعم الاستيطان أو الاستفادة من سياسات الاحتلال التي تستهدف القدس وأهلها.
• العمل على حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورفض أي محاولات لتغييره بالقوة أو فرض ترتيبات جديدة تخدم مخططات الاحتلال.
• مطالبة المملكة الأردنية الهاشمية بصفتها صاحبة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بضرورة توظيف مكانتها السياسية والدبلوماسية وعلاقاتها الدولية، والعمل مع المؤسسات العربية والإسلامية والدولية، من أجل حشد موقف عالمي فاعل يحمي المقدسات، ويوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، ويحول دون تكريس أي وقائع جديدة تمس هوية المدينة ومكانتها.
• ندعو لإطلاق برنامج دعم مالي وإغاثي عاجل ومستدام لأهل القدس، يساهم في تعزيز صمودهم وتمكينهم من مواجهة أعباء الحياة اليومية وسياسات التضييق الاقتصادي التي يمارسها الاحتلال بحقهم، بما يشمل دعم الأسر المهددة بالتهجير، ومساندة أصحاب المنازل والمنشآت المهددة بالهدم والإغلاق.
• دعم وتعزيز دور المؤسسات المقدسية التي تقدم الخدمات الاجتماعية والتعليمية والثقافية، وتوفير الموارد اللازمة لحماية الوجود العربي والإسلامي والمسيحي في مدينة القدس حتى يبقى المقدسيون ثابتين في أرضهم، حراساً لهوية المدينة وتاريخها ومقدساتها.
• بناء استراتيجية إعلامية دولية مستدامة وموحدة للدفاع عن القدس، تتضمن إنتاج مواد إعلامية وحقوقية باللغات المختلفة، وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأقصى والمقدسيين، وتزويد وسائل الإعلام العالمية بالمعلومات والوثائق والصور الميدانية، بما يسهم في كشف الحقائق ومواجهة حملات التضليل وتزييف الرواية التي يحاول الاحتلال فرضها.
• إنشاء شبكة إعلامية دولية متخصصة بالقدس، تجمع المؤسسات الصحفية والحقوقية والإعلامية الحرة، بهدف نقل حقيقة ما يجري، ومواجهة الرواية المضللة، وتحويل قضية القدس إلى قضية حاضرة باستمرار في المنابر الدولية.
• دعوة الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، ومؤسسات المجتمع المدني والاتحادات والنقابات والهيئات الشعبية، إلى تعزيز حضور قضية القدس عبر تنظيم الفعاليات والأنشطة الداعمة للقدس وأهلها، وممارسة دور فاعل في الضغط الشعبي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق المدينة المقدسة.
إن صمود المقدسيين لا يمكن أن يبقى رهناً بالتضحيات الفردية وحدها، بل يحتاج إلى إسناد حقيقي ومنظم، لأن ما يجري في القدس يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الأمة بواجباتها الدينية والأخلاقية، ومدى التزام المجتمع الدولي بالقوانين التي يدعو إلى تطبيقها والقيم التي يرفعها.
ونؤكد على أن استمرار الصمت على هذه الجرائم يشجع الاحتلال على المضي في مخططاته الرامية إلى تهويد القدس وتغيير هويتها وفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
وعليه، فإننا نناشدكم التحرك الفوري، واتخاذ خطوات عملية ومسؤولة، كلٌّ من موقعه واختصاصه، دفاعاً عن القدس وأهلها، وحمايةً للمسجد الأقصى المبارك، ورفضاً لكل الإجراءات الإسرائيلية التي تنتهك القانون الدولي وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.
نؤكد أن القدس ليست ملفاً سياسياً عابراً، بل مسؤولية تاريخية وحضارية ودينية وإنسانية تقع على عاتق الجميع، وإن لحظة الاختبار قد جاءت، وما تحتاجه المدينة اليوم دون مواربة هو موقف واضح ومؤثر، وإرادة جماعية تتحمل مسؤولياتها تجاه حماية القدس وأهلها ومقدساتها.
وإن التاريخ سيسجل مواقف الدول والمؤسسات والمرجعيات تجاه ما تتعرض له القدس، فالمدينة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى قرارات وإجراءات تحفظ مكانتها وتصون مقدساتها، وتمنع تحويل الانتهاكات والوقائع المفروضة بالقوة من قبل الاحتلال إلى أمر واقع دائم.
وفي ختام هذا النداء، فإننا نضع هذه المسؤولية أمام ضمائر الجميع، وقد بلغنا ما تمليه علينا الأمانة تجاه المسجد الأقصى والقدس وأهلها ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.
صادر عن المؤسسات والهيئات التالية:
• المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج
• مؤسسة القدس الدولية
• المؤتمر القومي العربي
• الاتحاد الفلسطيني في أمريكا اللاتينية
• مؤتمر فلسطينيو أوروبا
• المؤتمر القومي - الإسلامي
• المؤتمر الشعبي الفلسطيني - 14 مليون
• المؤتمر الوطني الفلسطيني
• الجمعية السلفادورية الفلسطينية
• الشبكة الأكاديمية للتضامن مع فلسطين – المكسيك
• الحراك الوطني الفلسطيني – عائدون
• المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن
• رابطة التضامن التشيلية مع فلسطين
• المؤسسة الثقافية الكولومبية الفلسطينية

