إسلام آباد، 11 أبريل/نيسان 2026: قد لا تكون المفاوضات الحقيقية هي تلك التي نظنها
نحو تقارب سني-شيعي؟
منذ يومين، يستضيف فندق “سيرينا” في المنطقة الخضراء بإسلام آباد ما يُوصف بأنه أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. ويقيم كل طرف في جناح منفصل داخل الفندق: نائب الرئيس الأمريكي *جي دي فانس* من جهة، ورئيس البرلمان الإيراني *محمد باقر قاليباف* من جهة أخرى، فيما يتولى وسطاء باكستانيون إدارة قنوات الاتصال بين الجانبين.
تركيبة الوفدين تبدو غير متكافئة، وهو توصيف يختصر الكثير.
وبحسب المعطيات المتداولة، يتراوح عدد أعضاء الوفد الإيراني بين 71 و86 مشاركًا. ووفقًا لوكالة الأنباء الإيرانية “تسنيم”، فإن الرقم الأدنى (71) يشمل الوفد الرسمي الضيق، أي المفاوضين والخبراء وأفراد الأمن والإعلام. أما العدد الأكبر (86)، الذي قدمته السلطات الباكستانية، فيُرجّح أنه يتضمن الطاقم الفني والداعم غير المدرج ضمن التشكيلة الأساسية.
وتُظهر القائمة الرسمية التي نشرتها باكستان أن الوفد الإيراني مُنظّم ضمن خمس لجان عمل: سياسية، وعسكرية، واقتصادية، وقانونية، ولجنة التوجيه العام. كما يضم محافظ البنك المركزي الإيراني، إلى جانب مساعدين لوزير الخارجية، ونواب محافظين، وخبراء قانونيين، ومستشارين عسكريين.
ويعكس هذا التشكيل إرسال طهران وفدًا متكاملًا يمتلك القدرة على التفاوض في ملفات متعددة، من بينها البرنامج النووي، وممرات النقل، والرسوم الجمركية، ومضيق هرمز، إضافة إلى آليات رفع العقوبات.
أما من الجانب الأمريكي، فيقتصر الحضور على ثلاثة أسماء فقط: نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والمستشار جاريد كوشنر (صهر دونالد ترامب). ويُلاحظ أن الأخيرين يرتبطان بشكل وثيق بملفات ومصالح ذات صلة بإسرائيل. في المقابل، يغيب عن الوفد أي خبير تقني أو مفاوض متخصص في الملف النووي.
ورغم أن عدد الأمريكيين الحاضرين يُقدّر بنحو 300 شخص، فإن الغالبية تعمل في مجالات الأمن والخدمات اللوجستية والبروتوكول والاتصالات. أما دائرة صنع القرار، فتظل محصورة في ثلاثة أشخاص فقط: صناع قرار قلّة، ومنفذون كُثر، في مقابل غياب واضح للخبرة التقنية المتخصصة.
هذا التباين يعكس منطقين مختلفين في إدارة التفاوض.
فقد جاءت إيران بوفد موسّع ومهيكل لمناقشة ملفات متعددة بعمق وعلى مدى بعيد. وتتيح هذه البنية لكل لجنة إيرانية أن تتفاعل مع نظرائها الباكستانيين، عبر تبادل المقترحات وصياغة الملاحق التفاوضية.
في هذا السياق، تلعب باكستان دور الوسيط الذي يستقبل هذه المعطيات وينقلها إلى الجانب الأمريكي أو لا ينقلها بالضرورة. فلا ما يُلزم إسلام آباد بنقل كل التفاصيل، ولا ما يضمن وصول مجمل النقاشات، خصوصًا تلك المتعلقة بملفات حساسة مثل ممر الصين–باكستان–إيران، إلى الطرف الأمريكي.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة تتبنى مقاربة أكثر اختزالًا، تقوم على الحسم السريع عبر إجابات من نوع “نعم” أو “لا”، دون الانخراط في التفاصيل التقنية الدقيقة. كما أن تركيبة وفدها لا تسمح أصلًا بمواكبة نسق عمل اللجان الإيرانية الخمس، ولا يبدو أنها تسعى إلى ذلك.
وتقوم هذه المقاربة على تركيز سلطة القرار في نطاق ضيق، وتأجيل الخوض في التفاصيل إلى مرحلة لاحقة. غير أن هذا التأجيل قد يحمل مخاطره، إذ إن العديد من هذه التفاصيل قد تكون قد حُسمت فعليًا في مسارات موازية بين إيران وباكستان قبل أن تُطرح على الطاولة الأمريكية.
تلعب باكستان دوراً محورياً. فالجيش الباكستاني بقيادة الجنرال عاصم منير، هو من نظّم وقف إطلاق النار في السابع من أبريل/نيسان، وفتح قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن، ويسيطر على الفضاء المادي للمفاوضات: الوصول، والإقامة، والأمن، والاتصالات. رئيس الوزراء شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار حاضرون، لكن اليد المرئية هي يد الجيش، الذي عبر وزيره أول أمس بحدة نادرة عن رأيه تجاه إسرائيل وآبائها المؤسسين.
باكستان ليست إذاً وسيطاً محايداً. فهي بالأساس قوة سنّية نووية، وقد وقّعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية في سبتمبر/أيلول 2025. وهي تربطها علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين، التي تمول الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، وتستضيف على أراضيها بنى تحتية وطرقاً وموانئ ومناطق اقتصادية خاصة صينية. ويُعد دمج إيران في هذا الممر هدفاً معلناً منذ عدة أشهر.
إيران، القوة الشيعية، تجد في هذا التقارب مصلحة استراتيجية: كسر العزلة الاقتصادية، والالتفاف على العقوبات، وتأمين حدودها الشرقية، وتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الولايات المتحدة.
الوفد الإيراني لم يأتِ ليستجدِفي، بل جاء ليؤسس.
المملكة العربية السعودية ليست موجودة في قاعة المفاوضات، لكنها موجودة في كل مكان حولها. لقد شاركت في الاجتماع الرباعي الذي عُقد في 29-30 مارس/آذار في إسلام آباد مع تركيا ومصر، وأعادت تفعيل الحوار المباشر مع إيران على مستوى وزراء الخارجية في 9 أبريل/نيسان، وتعرضت لضربات إيرانية على أراضيها طوال فترة النزاع. وهي مرتبطة مع باكستان بموجب اتفاقية دفاع مشترك تتضمن بند دعم نووي. لا تستطيع الرياض تحمّل تخلّي واشنطن عنها، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تبقى متفرّجة على تقارب إقليمي يُعاد من خلاله رسم التحالفات من دونها. لذلك، تضطلع باكستان بدور جامع للقوى السنيّة، بما فيها السعودية التي تفضّل التحرّك من وراء الكواليس بدل الظهور في الواجهة.
تؤكد الولايات المتحدة، على لسان فانس، أنها تسعى إلى تفاوض قائم على “حسن النية”، غير أن هذا المفهوم يظل غامضًا. في المقابل، يعلن الإيرانيون صراحةً انعدام ثقتهم بواشنطن ويكررون ذلك علنًا. وبين هذين الموقفين، تمضي باكستان في تحريك أوراقها وإدارة توازنات دقيقة.
السؤال الذي تضمره البيانات الرسمية يظل قائماً: من المستفيد الحقيقي من هذا الإطار التفاوضي؟ ما يمكن ملاحظته في هذه المرحلة هو أنه يتيح لإيران وباكستان، بالتوازي مع الوساطة المعلنة بين إيران والولايات المتحدة، إدارة مسار تفاوضي ثنائي مكثف لا تتحكم واشنطن لا في وتيرته ولا في تفاصيله. تبقى الولايات المتحدة حاضرة في المشهد، ولكن أقرب إلى موقع الحكم السياسي منها إلى مهندس العملية.
ينتهي وقف إطلاق النار في 22 أفريل. و إلى حين ذلك، ستكون اللجان الإيرانية–الباكستانية قد أحرزت تقدماً، ربما يفوق ما ستعكسه البيانات الرسمية لاحقا. من المرجح أن يعود فانس باتفاق محدود. غير أن الرهان الحقيقي قد يتجاوز ذلك، ليكمن في تبلور تقارب إقليمي متنامٍ بين قوى شيعية وسنية، تقوده باكستان، مع انخراط سعودي محسوب يظل حاضراً في الكواليس أكثر منه في الواجهة



